صديق الحسيني القنوجي البخاري
606
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 171 إلى 182 ] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 182 ) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ مستأنفة مقررة للوعيد وتصديرها بالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق مضمونها أي وباللّه والمراد بالكلمة ما وعدهم اللّه به من النصر والغلبة والظفر على الكفار . قا مقاتل : عني بالكلمة قوله سبحانه : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] وقال الفراء : سبقت كلمتنا بالسعادة لهم ، والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو مذكور هنا فإنه قال : إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ فهذه هي الكلمة المذكورة سابقا وهذا تفسير لها وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة فهو مجاز من إطلاق الجزء على الكل . وَإِنَّ جُنْدَنا المراد بجند اللّه حزبه وهم الرسل وأتباعهم ، والجند الأنصام والأعوان والجمع أجناد وجنود ، والوحد جندي ، فالياء للوحدة مثل روم ورومي وجند بفتحتين بلد باليمن . قال الشيباني : جاء هنا على الجمع يعني قوله : لَهُمُ الْغالِبُونَ من أجل أنه رأس آية ، وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن ، وغلبة الكفار لهم ، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء وغلبتهم لهم فخرج الكلام مخرج الغالب على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال ، وفي كل موطن كما قال سبحانه : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * والمراد الوعد بعلوهم على عدوهم ، في مقادم الحجاج وملاحم القتال في الدنيا . وعلوهم عليهم في الآخرة ، وعن ابن عباس : إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى ، والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه الظفر والنصرة ، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فالعبرة للغالب ، ويعطي الأكثر حكم الكل ويلحق القليل بالعدم أو الغلبة باعتبار عاقبة الحال ، وملاحظة المآل ، ثم أمر سبحانه رسوله بالإعراض عنهم والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات والضلالات فقال : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أي أعرض عنهم إلى مدة معلومة عند اللّه سبحانه وهي مدة الكف عن القتال ، قال السدي ومجاهد : حتى نأمرك بالقتال وقال قتادة : إلى الموت . وقيل : إلى يوم بدر ، وقيل : إلى يوم فتح مكة قيل هذه الآية منسوخة بآية السيف والأول أولى ؛ وكان صلّى اللّه عليه وسلم أول الأمر مأمورا بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تأليفا لهم . ثم أمر بالجهاد في السنة الثانية من الهجرة . قال ابن حجر رحمه